الأستاذ عبدالقادر الغساني

مؤسس مكتبة دار الكتاب العامة

السيرة الذاتية التي كتبها المغفور له بأذن الله تعالي الأستاذ عبدالقادر الغساني عن نفسه قبل وفاته

الحمدلله رب العالمين وبه نستعين على أمور الدنيا والدين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد .
ولدت في مدينة صلالة 1920م ونشأت في بيت محافظ كان محل تقدير واحترام من قبل الجميع مجتمعاً وحكومة ، كان الوالد من أبرز وجهاء ظفار وأعيانهم يقصده الخاصة والعامة لديه من الصفات المميزة مايستقطب به الكافة .
الدراسة الأولية: كان استقبالي للحرف الأول في المنزل من قبل والدتي التي كانت تقرأ القرآن وتحفظ بعض المنظومات في الفقه والتوحيد لازالت ترددها إلى حين وفاتها وقد أربت على تسعين عاماً فعلمتني حروف الهجاء على الطريقة الجزئية بحفظ الحروف ثم تركيب الكلمات وحفظت بعض قصار السور ولما بلغت سن السادسة التحقت بكتاب كانت تقوم عليه معلمة من أقاربنا يبعد كتابها عن منزلنا حوالي كيلو متر، في الصباح المبكر نغادر منزلنا في مجموعة من البنين والبنات إلى الكتّاب تضمنا حجرة واحدة نتعلم فيها قراءة القرآن وكيفية الصلاة وأركانها وشروطها.
في السنة الثانية من دراستي في هذا الكتّاب التحقت بكتّاب آخر يشرف عليه معلم من الذين درسوا في حضرموت (بلدة سيؤون) وكان الكتّاب يقع في منزل المعلم الذي يقوم على شؤون المسجد المجاور لمنزله يدعى (مسجد عقيل) والمعلم هو عوض بن أحمد العجيلي الذي يجلس بعد صلاة الصبح في قبلة المسجد للتدريس في بعض الكتب الفقهية المختصرة ليستفيد من ذلك المصلون ممن أدوا الصلاة وتخلفوا للاستفادة من الدرس وكنت من بين مجموعة من الأولاد نقرأ بعض الكتب المختصرة في الفقه على المعلم الذي يوضح لنا ماتعنيه كلمات الدرس .
وممن استفدت منهم في هذه السن المبكرة أكبر إخوتي الأخ محمد بن سالم الغساني وكان ممن درس في معهد الرباط بسيؤون والمبرزين من خريجيها وعلى يديه وتوجيهه حفظت الزبد لابن رسلان والملحة في النحو .
ومن ذكريات الصبا في مجال التعلم التي لم يطمسها النسيان ولم يمحها تكرار السنين مايأتي :
1 –  عندما كنت في حوالي الرابعة من السنين كنا مجموعة من الأطفال نلعب في فناء المنزل دخل علينا رجل مهيب يمتطي بغلاً وخلفه رجل مسلح يحمل بيده اليمنى بندقية وبيدة الأخرى سرة متوسطة الحجم فسمعنا إخوتنا الكبار يرفعون أصواتهم: (السلطان السيد تيمور) فنزل والدي من قصره وصافح جلالة السلطان وأخذ بيده وصعدا معاً إلى غرفة الوالد وأجلس السلطان في مقعده الذي كان يجلس عليه ثم تناول السلطان الصرة من مرافقه وفتحها فإذا بها أجزاء (عمَّ) ففرقها على الأولاد الذين رافقناه من الفناء إلى غرفة الوالد بحكم غريزة حب الاستطلاع للأطفال وقد حصلت على نسخة من جزء (عمَّ) من يد السلطان تيمور .
2 –  عندما كنت في كتّاب المعلم عوض بن أحمد المشار إليه سابقاً كنت الأول على كتّاب المعلم بالرغم من أني أكاد أكون أصغرهم ففي ظهر الأحد الأيام ظهر المعلم فجأة من صعوده في االدرج المقابل لحجرة االدرس وصادف أن كنت مددت يدي إلى زميل لأستعير منه بعض الأدوات فشاهدني المعلم وأقبل مهتاجاً موجهاً اتهامه لي بأني أعبث في الدرس وتناول عصا من النافذة أداة العقاب الوحيدة وأمسك يدي بيده اليسرى والعصا باليد اليمنى وانقض عليَّ بضرب مبرح فكنت بين يديه كعصفور بين مخلبي عقاب كاسر فكل عصا كانت تشق الجلد وتسيل الدماء حتى تلطخت ملابسي وسالت دمائي على الأرض ومن شدة الألم استطعت أن أتخلص من يده وأهرب إلى المنزل وأنا في هيئة مزرية وجدت أمي تطبخ الغذاء فذهلت مما رأت وأخذتني إلى غرفة أبي الذي كان في قيلولته اليومية فطرقت الباب بعنف فاستيقظ الوالد منزعجاً وحين رآني قال: من فعل بك هذا ؟ ، قلت: المعلم ولن أذهب إليه بعد اليوم،فقال الوالد: لم يضربك المعلم إلا لأنك تستحق ذلك وإذا لم تعد بعد ظهر اليوم إلى الكتاب سأحبسك في مخزن الحطب فانسحبت مهزوماً مخذولاً وتولت الوالدة علاجي فسحقت ملحاً وكركماَ ولطخت به جراحي فكان الألم أشد مما قاسيت من الضرب وعندما حان الوقت المسائي للذهاب إلى الكتاب ذهبت خوفا من تهديد الوالد وكانت المرة الوحيدة التي عوقبت فيها ذلك العقاب الوحشي من دون ذنب ارتكبته سامح الله الجميع .
وقد بقيت على علاقة ودية مع المعلم إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى واستمرت العلاقة الودية بعد وفاته مع أبنائه وفاءً لحرمة المعلم وارتباطاً بالواجب الإنساني .
3-  السبب الذي مهد لسفري للتعليم في الخارج كان الوالد رحمة الله عليه على علاقة وطيدة بالحكومة السعيدية وعندما تولى السلطان السيد سعيد بن تيمور في أوائل الثلاثينيات كان الوالد في أواخر شيخوخته فكان يقابل السلطان سعيد في كل شهر مرة واحدة وكنت مع الأخ عوض بن سالم نرافق الوالد في يوم المقابلة لنتولى شؤون الدابة إلى الحصن .
وفي إحدى مقابلات الوالد للسلطان الذي سأل الوالد هل بصحبتك أحد من أولادك فأجابه الوالد معي عوض وعبدالقادر ينتظران في مكتب الشيخ سعيد بن مسلم فبعث السلطان أحد الحراس لإحضارنا إلى المقابلة فسلمنا على السلطان وكان يجلس على كرسي أرضي بينما الوالد على بساط على الأرض سألنا السلطان عن اسمينا وسألنا عما تعلمانه فقال يجب على الإنسان أن يتعلم أكثر و أكثر لأن الذي لايتعلم يكون شبيهاً بالحيوان ، وقد تأثرنا بما سمعناه من السلطان.
وبعد المقابلة صممنا أن نسافر إلى حضرموت ولم تمض ثلاثة أشهر حتى غادرنا البلاد 6 ذي الحجة 1352هـ على ظهر سفينة شراعية صغيرة تدعى (البدن) استغرقت الرحلة البحرية إلى الشحر 16 يوماً ذقنا فيها الأمرين من دوار البحر.
استقبلنا عمر بانصير أحد تجار الشحر الذي كان على صلة بالوالد من حيث التعامل التجاري أقمنا عنده ثلاثة أيام ثم استأنفنا الرحلة الثانية مع القوافل البرية التي تغذي حضرموت الداخل بالمؤن المستوردة من الخارج ولم تكن الرحلة الثانية أقل عناء من الرحلة الأولى حيث تشق القوافل سيرها وهي مثقلة بأحمالها وسط طريق وعرة بمرتفعات من الجبال فكان ركوبنا نادراً على الجمال إلا إذا كانت الطريق مستوية وهذه قليلة.
استغرقت الرحلة تسعة أيام للوصول إلى سيؤون العاصمة الإدارية لدولة الكثيري ونزلنا في رباط الداعية الكبير إلى الله تعالى المشهور (علي بن محمد بن حسين الحبشي) وكان ابنه وخليفته الداعية محمد بن علي الحبشي يقوم حينئذ بشؤون الرباط .
بعد وفاة والده بدأنا دراستنا على النحو التالي :
1 –  كان الانطلاق في الدراسة من حيث المعلومات السابقة بتصحيح ما واكبه الالتباس وإفهام ماخفي عنا من المحتويات وترسيخ المستجد والتأكد من البناء على أسس سليمة واستمر هذا المنوال عدة أشهر.
2 – استمرار الدراسة على نطاق متوازن بين الفقه الإسلامي ومادة النحو كانت البداية في المتون المختصرة واستمرت الدراسة في هذا النطاق حوالي عام .
3 – فلما تجاوزنا المرحلة الأولى من الدراسة الموفقة وبفهم أشمل حولنا المعلمون إلى المرحلة المتوسطة في الفقه كإعانة الطالبين وفي النحو المتممة وقطر الندى لابن هشام واستغرقت هذه المرحلة حوالي عام .
4 – أما بقية فترة الطلب التي استغرقت حوالي ثلاثة أعوام فقد انتقلت إلى المطولات ففي الفقه درسنا المنهاج للإمام النووي وفي اللغة العربية ألفية بن مالك الأندلسي حفظاً ونثراً لابن عقيل مع مراجعة بعض الحواشي في الفقه واللغة العربية.
خلال هذه الدراسة التي استمرت ما يقرب من ست سنوات لم تتخللها إجازة ولم يقطعها سفر ولا تقام لها امتحانات لتقييم مستوى الدارسين ماعدا مستوى الحوار اليومي الذي يدور بين المعلم وطلابه ويقتنع المعلم بمستوى الطالب عندئذ يرشد المعلم الطالب إلى الكتاب الذي يجب أن يقتنيه ليدرسه ويستوفيه .
الواجبات اليومية للمقيمين في الرباط
أما التغذية اليومية فتصرف من قبل القائمين على المعهد (الرباط) وتتمثل في الآتي:-
في التاسعة صباحاً يحضر المندوب جراباً من الخوص يحوي أكياساً صغيرة بعدد طلاب المعهد بداخلها تمر محلي يزن ثلاثة أرباع الرطل أي 12 أوقية تغطي الفطور والغداء معاً أما العشاء فيحضر المندوب أرغفة من الذرة المحلية تم تجهيزها في التنور ويتناول كل طالب رغيف ويستعين بما تيسر من الأدام أما جماعتنا فقد اتفقت فيما بينها على أن يدفع كل واحداً منهم جزءاً من وحدة نقد البلد يمثل البيسات لدينا ونشتري بما تجمع من النقد ملحاً وفلفلاً وسرديناً جافاً ونطحن ذلك طحناً جيداً ونخلطه ونضعه في علبة كبيرة فعندما يحين تناول الخبز بعد صلاة العشاء نحضر علبة البودر الدقيق ونغمس الكسرة من الرغيف ونتناوله وإلى جانبه قلة الماء وتشعرنا هذه الوجبة بلذة الاستساغة مع الإحساس بالشبع .
أثناء الدراسة كان الوالد يبعث لنا في كل عام مبلغاً محدوداً من النقود نستعين به على قضاء بعض حاجتنا الضرورية كاللباس وتغيير بعض الوجبات الأسبوعية كما أننا لانتلقى منهم رسائل إلا في العام مرة ماعدا إذا حضر أحد من البلد قد يبعثون معه برسالة وبالرغم من هذه المعوقات فإن إصرارنا على مواصلة التعليم يبعث على الإعجاب إلى أن أرسل الأهل برسائل حرقوا أطرافها إصراراً على مغادرة حضرموت نظراً لأن الوالد أصبح قاب قوسين أو أدنى من النهاية المحتمة فغادرنا مواقعنا مكرهين في شهر شعبان 1358هــ فوصلنا البلد في 15شعبان وقد توفي الوالد رحمة الله تعالى عليه في 7 ذي الحجة عام 1358هـ وهو نفس التاريخ تقريباً الذي غادرنا فيه البلد إلى حضرموت منذ ست سنوات .

الوظيفة
في أوائل عام 1943م طلبت للعمل في المدرسة السعيدية كمعلم للتربية الإسلامية بعدد محدود من الحصص لاتتعدى سبعاً في الأسبوع وبعد ستة أشهر أعيد تعييني بحصص كاملة طوال أيام الأسبوع كما أسند إلي تدريس اللغة العربية بكامل فروعها التي يحتويها المقرر بالإضافة إلى نائب لمدير المدرسة .
وبالرغم من محدودية الإمكانيات وقلة المناشط المؤثرة فإن التلميذ في المدرسة لا يمر عليه عامان حتى يجيد القراءة والكتابة إجادة تامة اللذين هما مفتاح التعلم لبناء الفرد بناءً متوازناً في كافة المجالات المعرفية والوجدانية والإجتماعية والسلوكية .

العهد الميمون
في 4 أكتوبر 1970م أسند إلي صاحب الجلالة السلطان قابوس المعظم يحفظه الله مسؤولية التعليم في ظفار وحين تألفت وزارة المعارف المسمى الأول لوزارة التربية والتعليم تم ربط المدرسة السعيدية بصلالة بالوزارة وتغيير المسمى الوظيفي من مدير مدرسة إلى مشرف تعليمي ومنه إلى نائب مدير التعليم ومنه إلى مدير ومنه إلى مدير عام ومنه إلى مدير عام في الدرجة الخاصة بمرسوم سلطاني رقم 64/81 م المخصصة لوكيل الوزارة .
وفي العيد الوطني العشرين تفضل حضرة صاحب الجلالة بمنحي وسام عمان من الدرجة الثالثة في اليوم الثالث من جمادي الأولى 1411 هـ الموافق الحادي والعشرون من نوفمبر عام 1990م وفي عام 1991م تم تعييني مستشاراً بوزارة التربية والتعليم والشباب بنفس الدرجة والمخصصات إلى 1 مايو 1996م حيث أحلت إلى التقاعد .
وفي 16 شعبان 1418هـ الموافق 16 ديسمبر 1997م تم تعيين أعضاء مجلس الدولة كأول مجلس في السلطنة بمرسوم سلطاني رقم89/97م وتم اختياري عضواً في هذا المجلس مما أعتبره تشريفاً وتكريماً وتفضلاً من جلالة مولاي المفدى يحفظه الله ذخراً لعمان وسنداً لشعبها وقائداً ملهماً لاستقرارها وازدهارها وهذا الموقع أعتبره مسك الختام لمشوار الخدمة الطويل في مجال من أجل الخدمات العامة الذي يعتبر أساس كل تطور وتقدم وسعادة .

الدورات العلمية والإدارية التي قمت بها أثناء العمل :
1 –  بغداد: محو الأمية للكبار من 15/5 إلى 14/6/1972م
2 –  مكتب اليونسكو بيروت للتخطيط التربوي من 20/8/1973م إلى 19/2/1974م وقد تمت الدورة بشكل مكثف صباحاً ومساءً .
3 –  الإشتراك في حصاد ندوة الدراسات العمانية في شهر نوفمبر 1980م بمناسبة العيد الوطني العاشر بإلقاء محاضرة عن اللبان بعنوان ظفار أرض اللبان وقد لقيت هذه المحاضرة استحساناً من الجميع وتم توثيقها في الجزء الأول من حصاد الندوة التي وثقت في عشرة مجلدات ولازال الصحفيون خصوصاً الأجانب كلما زاروا المنطقة يصرون على زيارتي للاستفسار واستيضاح ماخفي عليهم، وقد تم طبع هذه المحاضرة باللغتين العربية والإنجليزية وبيعت منها أعداد كثيرة ، كما أبدى وزير ديوان البلاط السلطاني رغبة في إقتناء مائة نسخة من الطبعة الإنجليزية .
4 –  مركز التأهيل والتدريب أثناء الخدمة بالأردن (عمَّــان) من 23/1 إلى 11/3/1982م بلغ مجموع ساعاتها مائة   وخمسين ساعة .
5 –  زيارات ميدانية للإطلاع على خبرات الآخرين التعليمية لكل من البحرين والكويت وتونس وبريطانيا في عام 1985م ، وزيارة تعليمية لخمس ولايات في أمريكا وهي واشنطن ونيويورك وفلوريدا ولوس أنجلوس وفرجينيا .
6 –  تم اختياري عضواً مشاركاً في اللجنة الوطنية لموسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب من عام 1985م إلى 1991م .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العاملين .

عبدالقادر بن سالم الغساني

Pin It on Pinterest

Share This